سؤالٌ يتكرّر في كل مجلس قانوني
في كل جلسة نقاش عن الذكاء الاصطناعي يحضر السؤال نفسه، وغالباً بإجابتين متطرفتين: فريقٌ يرى أن المهنة القانونية في طريقها إلى الزوال خلال سنوات، وفريقٌ يرى أن الأمر كله ضجيج تسويقي لا يصمد أمام تعقيد العمل القانوني الحقيقي. والحقيقة، كالعادة، ليست في أيٍّ من الطرفين.
الإجابة الدقيقة تتطلب أن نفصل بين ثلاثة أسئلة يخلط بينها الكثيرون: هل يستطيع النظام أن يُصدر حكماً؟ هل يستطيع أن يترافع؟ وهل يستطيع أن يقوم بالعمل الذهني الذي يسبق الترافع والحكم؟ الأجوبة مختلفة تماماً.
هل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قاضياً؟
الجواب: لا. والسبب الأول ليس تقنياً، بل دستوري ومهني. القضاء سلطة مستقلة، والأحكام تصدر باسم الملك وفق القانون، والقاضي شخص طبيعي يؤدي اليمين ويخضع للمساءلة والتفتيش القضائي ويمكن ردّه ومخاصمته. لا يمكن لنظام برمجي أن يحمل هذه الصفة، ولا أن يتحمّل المسؤولية المترتبة عليها.
ثم إن القضاء ليس عملية استخراج نصٍّ من قاعدة بيانات. فيه تقدير لمصداقية الشاهد من نبرته وتردّده، ووزنٌ للنية والظروف المخففة، وسلطة تقديرية واسعة منحها المشرّع للقاضي عمداً لأنه يعلم أن الوقائع لا تُختزل في قواعد جامدة. وفيه أيضاً حق الخصم في المواجهة الشفوية، وفي حكمٍ مسبَّب يستطيع أن يطعن فيه أمام درجة أعلى.
التجارب الدولية في استخدام أدوات خوارزمية لتقدير المخاطر داخل بعض الأنظمة القضائية أثارت جدلاً واسعاً حول التحيّز، وحول صعوبة تفسير كيفية وصول النظام إلى نتيجته. وهذه وحدها كافية لإبقاء القرار القضائي بيد إنسان مسؤول.
ما يمكن للذكاء الاصطناعي فعله داخل المنظومة القضائية مختلف تماماً، وهو ليس قليلاً: تفريغ الجلسات، وترجمة المستندات، وفهرسة السوابق، وكشف التناقض بين إفادتين، وتنظيم إدارة الدعاوى وتخفيف التأخير. مساعدٌ للقاضي، لا بديلٌ عنه.
هل يمكن أن يكون محامياً؟
هنا أيضاً الجواب لا، لكن لسببٍ يستحق التوضيح. المحاماة ليست بحثاً قانونياً فحسب؛ إنها ترخيص وانتساب لنقابة، ومسؤولية مهنية وتأمين عليها، وعلاقة ثقة مع موكّل، وتفاوض، وقراءة لغرفة المحكمة، وقرارات استراتيجية لا يملك النظام معطياتها أصلاً: هل نصالح أم نستمر؟ هل نثير هذا الدفع الآن أم نحتفظ به؟
لكن إذا نظرنا إلى يوم المحامي الفعلي، سنجد أن الجزء الأكبر منه يذهب إلى البحث عن النص المنطبق، وقراءة اجتهادات التمييز، وصياغة اللوائح، ومراجعة العقود، وتلخيص ملفات طويلة. هذا الجزء تحديداً هو ميدان الذكاء الاصطناعي. فالتقنية لا تنازع المحامي على مهنته، بل تنتزع من يومه الساعات المرهقة التي لا تحتاج خبرته.
المشكلة الحقيقية ليست الذكاء… بل الثقة
النموذج اللغوي العام مُحسَّنٌ لإنتاج نصٍّ يبدو صحيحاً، لا نصٍّ تم التحقق منه. وهذا الفارق دقيق وخطير. يستطيع أي روبوت محادثة عام أن يمنحك رقم مادة قانونية بثقة تامة، ورقم المادة غير موجود؛ أو أن ينسب مبدأً قضائياً إلى محكمة لم تُصدره؛ أو أن يمزج قانوناً أردنياً بآخر مصري أو خليجي لأن التشابه اللفظي بينهما كبير.
في مجالات أخرى تُسمّى هذه الأخطاء «هفوات». في القانون تُسمّى شيئاً آخر. وقد شهدت محاكم في دول عدة وقائع موثقة قُدّمت فيها مذكرات تتضمن مراجع مختلقة بالكامل، وانتهت بجزاءات على من قدّمها. المرجع الخاطئ ليس خطأً مطبعياً؛ إنه دعوى خاسرة ومسؤولية مهنية.
ولهذا فإن المعيار الذي يجب أن يُقاس به أي نظام قانوني ليس «كم يبدو ذكياً»، بل: هل أستطيع أن أتحقق من كل ما قاله خلال دقيقة؟
روبوت محادثة عام مقابل نظام قانوني متخصص: أين الفرق فعلاً؟
مصدر المعرفة: النموذج العام يجيب من «ذاكرة» تدريبه، أي أنه يعيد تركيب ما رآه سابقاً. النظام المتخصص يبحث أولاً في النصوص التشريعية والاجتهادات الفعلية، ثم يبني إجابته على ما استرجعه. الفرق بين استدعاءٍ من الذاكرة واستنادٍ إلى وثيقة.
الولاية القضائية: النموذج العام لا يعرف حدوداً بين التشريعات العربية، فيقدّم لك خليطاً معقولاً لكنه غير منطبق. النظام المتخصص محصور في التشريع الأردني واجتهاد محكمة التمييز، وهذا الحصر ميزة لا قيد.
المرجعية: إجابة النموذج العام تصعب مراجعتها لأن لا أثر لها. إجابة النظام المتخصص مشفوعة بإحالات يمكنك فتحها ومطابقتها بنفسك.
التحديث: معرفة النموذج العام تتوقف عند تاريخ تدريبه. النظام المتخصص يعتمد على قاعدة نصوص يجري تحديثها بمعزل عن النموذج.
الخصوصية: إدخال تفاصيل ملف موكّل في خدمة استهلاكية عامة مسألة تستحق التوقف. الأنظمة القانونية الجادة تتعامل مع أسماء الأشخاص الطبيعيين وفق متطلبات قانون حماية البيانات الشخصية.
وللإنصاف: روبوتات المحادثة العامة ممتازة في الصياغة والتلخيص وتبسيط المفاهيم وتوليد الأفكار، وهي أدوات كتابة بالغة القوة. الفارق ليس بين «ذكي» و«غبي»، بل بين «عام» و«مُسنَد إلى مصدر».
طبقات التحقق: كيف يُبنى نظام لا يخترع نصوصاً
الأنظمة القانونية المتخصصة لا تعتمد على تمريرة واحدة تُنتج الجواب. هي سلسلة من الطبقات المتتابعة: فهم السؤال وتصنيف فرعه القانوني، ثم استرجاع النصوص والسوابق ذات الصلة من مصادرها، ثم مراجعة متخصصة لكل جزء من الجواب، وأخيراً طبقة تدقيق للإحالات تُطابق كل مرجع مع مصدره قبل أن يظهر للمستخدم؛ وما لا يجتاز هذه المطابقة يُحذف أو يُعلَّم بوضوح بدل أن يُمرَّر.
على هذا الأساس بُني مستشار: لا كنموذج يجيب من ذاكرته، بل كمنظومة تُلزم نفسها بأن كل ما تقوله قابل للإرجاع إلى نصٍّ قائم. ولا يدّعي أحد هنا نظاماً معصوماً من الخطأ — الادعاء نفسه سيكون مؤشر إنذار. المطلوب أن يكون الخطأ قابلاً للاكتشاف في دقيقة، لا أن يكون مستحيلاً.
أين يقف مستشار من هذه المعادلة
مستشار نظام ذكاء اصطناعي قانوني متخصص في القانون الأردني، يقرأ سؤالك ويعود إلى التشريعات النافذة واجتهادات محكمة التمييز، ثم يقدّم إجابة مشفوعة بإحالاتها. استخداماته العملية واضحة: فهم الموقف القانوني في نزاع قائم، والوصول إلى المبادئ القضائية المستقرة في مسألة بعينها، وإعداد هيكل أوّلي للائحة أو مذكرة، ومراجعة بنود عقد وكشف ما يحتاج انتباهاً، وتبسيط الإجراءات لغير القانونيين.
وفي المقابل، من المهم قول ما لا يفعله: لا يعرف وقائع ملفك إلا بقدر ما تخبره، ولا يحلّ محلّ استشارة محامٍ مرخّص، ولا يتحمّل قراراً اتخذته بناءً عليه. هو أداة بحث وصياغة تختصر ساعات، والقرار المهني يبقى للإنسان — وهذا ليس تواضعاً تسويقياً، بل توصيف دقيق لما يجب أن تكونه هذه الأنظمة.
ماذا يعني هذا لمهنة المحاماة؟
المهنة لن تختفي، لكن الفجوة ستتسع — لا بين المحامي والآلة، بل بين محامٍ يُتقن أدواته ومحامٍ لا يفعل. حدث الأمر نفسه حين ظهرت قواعد البيانات القانونية الإلكترونية: لم تُلغِ أحداً، لكنها جعلت من يعتمد على المجلدات وحدها أبطأ بكثير.
الأثر الأكبر سيكون لصالح المحامي الشاب والمكتب الصغير: قدرة بحثية كانت حكراً على المكاتب الكبيرة ذات الفرق المساعدة صارت متاحة بكلفة زهيدة. وهذا، في اقتصاد المهنة، تغيير أعمق مما يبدو.
خلاصة
لا، لن يكون الذكاء الاصطناعي قاضياً — لأسباب دستورية ومهنية وإنسانية قبل أن تكون تقنية. ولا، لن يكون محامياً بالمعنى القانوني للكلمة. لكنه يستطيع، حين يُبنى على نصوص حقيقية وطبقات تحقق صارمة، أن يكون مساعداً قانونياً بالغ الكفاءة يختصر الجزء الأثقل من العمل.
وأفضل طريقة للحكم على أي نظام من هذا النوع بسيطة: اسأله سؤالاً تعرف إجابته جيداً، ثم افتح الإحالات التي أعطاك إياها وطابِقها بنفسك. هذا الاختبار وحده يفصل بين نصٍّ مقنع ونظامٍ يستحق الثقة. ويمكنك تجربته على مستشار والحكم بنفسك.